أحمد الشرباصي

228

موسوعة اخلاق القرآن

في الطاعات فقال عن الانسان المتفكر : « فينظر أولا في الفرائض المكتوبة عليه أنه كيف يؤديها ، وكيف يحرسها عن النقصان والتقصير ، أو كيف يجبر نقصانها بكثرة النوافل ، ثم يرجع إلى عضو عضو ، فيتفكر في الأفعال التي تتعلق بها مما يحبه اللّه تعالى ، فيقول مثلا : إن العين خلقت للنظر في ملكوت السماوات والأرض عبرة ، ولتستعمل في طاعة اللّه تعالى ، وتنظر في كتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأنا قادر على أن اشغل العين بمطالعة القرآن والسنة ، فلم لا أفعله ؟ وأنا قادر على أن انظر إلى فلان المطيع بعين التعظيم فأدخل السرور على قلبه ، وأنظر إلى فلان الفاسق بعين الازدراء فأزجره بذلك عن معصيته ، فلم لا أفعله ؟ وكذلك يقول في سمعه : إني قادر على استماع كلام ملهوف ، أو استماع حكمة وعلم ، أو استماع قراءة وذكر ، فما لي أعطّله وقد أنعم اللّه عليّ به ، وأودعنيه لأشكره ، فما لي أكفر نعمة اللّه فيه بتضييعه وتعطيله ؟ . وكذلك يتفكر في اللسان ، ويقول : إني قادر على أن أتقرب إلى اللّه تعالى بالتعليم والوعظ والتودد إلى قلوب أهل الصلاح ، وبالسؤال عن أحوال الفقراء ، وإدخال السرور على زيد الصالح ، وعمرو العالم ، بكلمة طيبة ، وكل كلمة طيبة فإنها صدقة ؟ وكذلك يتفكر في ماله ، فيقول : أنا قادر على أن أتصدق بالمال الفلاني ، فإني مستغن عنه . ومهما احتجت إليه رزقني اللّه تعالى مثله ، وإن كنت محتاجا الآن فأنا إلى ثواب الايثار أحوج مني إلى ذلك المال . وهكذا يفتش عن جميع أعضائه وجملة بدنه وأمواله ، بل عن دوابه وغلمانه وأولاده ، فإن كل ذلك أدواته وأسبابه ، ويقدر على أن يطيع اللّه تعالى بها ، فيستنبط بدقيق الفكر وجوه الطاعات الممكنة بها ، ويتفكر فيما يرغبه في البدار إلى تلك الطاعات ، ويتفكر في إخلاص النية فيها ، ويطلب لها مظانّ الاستحقاق حتى يزكو بها عمله ، وقس على هذا سائر الطاعات » . والتفكر ليس خبط عشواء ، ولا اضطراب عمياء ، ولا شرود عجماء ،